الاثنين، يوليو 25، 2005

اخذنى الشوق لثوار


من خلف ركام الفساد الطافح من حولنا، تهب ريح تعرف الأنوف أريجها المعطر بالشرف، ومن وراء قيعان الانتحار الاجتماعي يأتي هواؤها محملا ببذور لقاح العدل السامق، وتجيء رياحها ساخنة تنشر دفء العمل في سواعد جيش المتعطلين.. ومن فوق رءوس طابور المرضي تحوم نسائم الشفاء المجاني.نعم إنا نشم رائحة يوليو في كل شبر حولنا: لأنها تمثل قانون الحياة في مواجهة معادلات الموت بالقطعة أو بالجملة. وأوضاعنا المصرية والعربية تمهد الطريق بعجزها وخذلانها وفسادها ليوليو الجديدة، فالأزمة كما يقول حكيمنا كامل زهيري إما أن تنفرج فتكون إصلاحا وإما أن تنفجر فتكون ثورة. ولأن نظامنا أو (لا نظامنا) السرمدي يأبي الإصلاح الحقيقي، فإنه يدفع الأزمة باتجاه الانفجار. وبعيدا عن قانون الانفجار والانفراج، فثمة قانون آخر يعبر عنه شطر بيت الشعر (وكل دوري إذا ما تم ينقلبï) بمعني أن دورة الفساد والظلم الاجتماعي وصلت نهايتها، وأن دور مصر وصل إلي درجة قزمية متدنية، تمثل آخر ما يمكن أن تصل إليه، وأن النهب المنظم وصل لصناديق التأمينات والمعاشات بعد أن ابتلع أملاك الدولة واستنزف معظم رصيدها الاقتصادي والمالي، وقد وصلت الفوضي والعشوائية والعدم درجة لم يعد يحتملها الشارع المصري، الداء يسكن البيوت والدواء مستعصي، الطعام بعيد عن الأفواه وإذا اقترب تسرطن، سوق التصريحات أكبر من سوق العمل، عدد المتعطلين أكبر من عدد العاملين، الاختلال كامل في الإدارة والاحتلال كامل للإرادة والدور والقرار.. فحينما يكون البقاء علي قيد الحياة بطولة خارقة لابد للدور أن ينقلب، وللتحول أن يأتي انفراجا أو انفجارا لكن مجيئه قدر الإنسان والكون والطبيعة.وثورة يوليو هي القدر الذي كان يهيم علي وجهه بحثا عن الغلابة والمحرومين، وحينما نشم الآن ريحها الغلابة فذلك يعني أنها لم تمت ولم يأكلها الذئب، بل غيبتها العصبة في جïب مصالحهم، وجاءوا علي قميصها القطن (المحلاوي) بدم كذب وافتراء رخيص وحملات مدفوعة الأجر، ليس الهدف منها نقد أو نقض الثورة، بل الغرض الحقيقي هو الانتقام من الغلابة وصعودهم الاجتماعي علي سلم العدل والكفاءة، وعناق مصر لدورها الجيواستراتيجي والتاريخي.اشتقنا لفلاح يوليو المنتج في بهوت وكفر نجم ولعاملها الأسطي في المحلة وحلوان وكفر الدوار ولمهندسي الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم وبناة السد العالي وأطباء حملة البلهارسيا والأمراض المعدية في الكفور والنجوع، اشتقنا للواعظين: الشيخ شلتوت والشيخ أبو زهرة ولثقافة من أجل الجميع ولفرقة رضا والفرقة القومية وصوت العندليب وقنديل ونجاة ولشعر صلاح عبدالصبور وُاهين وحداد ولفيلم الناصر صلاح الدين ولنشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي، أوحشتنا دبلوماسية بوزن محمود فوزي ومحمود رياض ولحركة تنوير يقودها فتحي رضوان وثروت عكاشة ويحيي حقي، ولتجديد ديني يقوده الشيخ الغزالي وخالد محمد خالد.اشتقنا لصحافة بوزن هيكل وبهاء وإحسان وزهيري ، أوحشنا مسرح دياب وعاشور ورومان وألفريد ووهبة ولعمال المناجم وبناة مديرية التحرير وأبطال شدوان وقادة منظمة سيناء العربية وللشهيد عبدالمنعم رياض ولفرقة السمسمية ووجوه علي الشط ولموسيقي علي إسماعيل وكمال الطويل وبليغ حمدي.وحينما نشتاق ليوليو فإنما نشتاق لمصر الحقيقية فردوا إلينا قميصها كي نبصر بعد العمي، ونعرف أننا جديرون بحياة تليق بآدميتنا، نستنشق فيها هواء نقيا لا عادما سياسيا يخرج من (شاكمان) مثقوب، ولا عادما اقتصاديا واجتماعيا يصل لحد الانتحار.يوليو الجديدة، والقادمة سوف تكون مختلفة عن منتصف الخمسينيات ، لكنها لن تختلف كثيرا عن برنامج يوليو الإصلاح والتغيير الذي يهب من شارع عبدالخالق ثروت ليصل ميدان عابدين.
عزازى على عزازى
عن جريدة الاسبوع

السبت، يوليو 16، 2005

نبذه عن ثورة يوليو


عانى الشعب المصري من الظلم والاستعباد وفقدان العدالة الاجتماعية وكانت الفجوة شاسعة للغاية بين طبقات المجتمع مما اثر بشكل سلبي على العلاقات بينها
وكانت الغالبية العظمى من المصريين يشعرون بالمهانة حينما يلتحقون بالجيش ليس لانهم لا يرغبون في اداء واجبهم الوطني بل لان هذا الواجب كان يقتصر على الفقراء وحدهم دون الاغنياء القادرين على دفع البديلة كمقابل اعفائهم ثم سيطرة حفنة قليلة من كبار الاقطاعيين على الارض الزراعية في مصر وعانى الفلاحون من سطوتهم فكان الاقطاعيون يملكون الارض ومن عليها
واقتصر التعليم على الاغنياء في ظل نظام فاسد يتولاه الملك فاروق وحاشيته الفاسدة التي كانت تنفق ببذخ شديد على حفلاته وهنا وفي ظل جشع الملك وحاشيته وفساد الحكم والاحزاب وفضيحة الاسلحة الفاسدة وحريق القاهرة وقمع المظاهرات الطلابية التي تطالب بالاستقلال انطلق الضباط الاحرار تملؤهم القوة والشجاعة وحب الوطن لياخذوا بيد الشعب من عصر الظلم الى ثورة وطنية ...
وكانت ليلة الثالث والعشرون من يوليو تموز سنة اثنان وخمسين وتسعمائة والف انطلق الضابط الاحرار ليعلنوا للشعب انتهاء فترة الاستعباد وبداية لعصر جديد مشرق في تاريخ مصر والعرب والشرق الاوسط بل ودول العالم الثالث وانتصرت ارادة الشعب الذي التف حول الضباط الاحرار لنبذ الظلم وليؤكدوا للشعوب العربية من الخليج الى المحيط ان قوتهم في توحدهم ليجمعوا الهمم نحو استعادة الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية

اسباب قيام الثورة

استمرار الملك فاروق في تجاهله للاغلبية واعتماده على احزاب الاقلية
قيام اضطرابات داخلية وصراع دموي بين الاخوان المسلمين وحكومتي النقراشي وعبد الهادي
قيام حرب فلسطين وتوريط الملك للبلاد فيها دون استعداد مناسب ثم الهزيمة
عرضت قضية جلاء القوات البريطانية على هيئة الامم المتحدة ولم يصدر مجلس الامن قرارا لصالح مصر
تقليص حجم وحدات الجيش الوطني بعد فرض الحماية البريطانية على مصر وارسال معظم قواته الى السودان بحجة المساهمة في اخماد ثورة المهدي
اغلاق المدارس البحرية والحربية
سوء الحالة الاقتصادية في مصر
الظلم وفقدان العدالة الاجتماعية بين طبقات الشعب وسوء توزيع الملكية وثروات الوطن
سفاهة حكم الملك فاروق وحاشيته في الانفاق والبذخ على القصر وترك الشعب يعاني


مميزات ثورة يوليو

ثورة بيضاء لم ترق فيها الدماء

تنفرد ثورة يوليو بين جميع الحركات العسكرية التي حدثت في المنطقة بان تاريخ انتصارها مازال اليوم القومي لمصر

قيام الثورة بجيل جديد من الضباط والشبان بقيادة جمال عبد الناصر وكان امرا جديدا في عالم الانقلابات العسكرية التي كان يقوم بها عادة قادة الجيوش واصحاب الرتب الكبيرة

كان تشكيل الضباط الاحرار ذا طبيعة خاصة لا تنفرد باتجاه معين ولا تنتمي لحزب سياسي واحد فلقد كانوا من مختلف الاتجاهات السياسية

اكتساب الثورة تاييد شعبي جارف من ملايين الفلاحين وطبقات الشعب العاملة الذين كانوا يعيشون حياة تتسم بالمرارة والمعاناة

اتخاذ قرار حل الاحزاب والغاء دستور 1923 بعد ستة اشهر من قيام الحركة والالتزام بفترة انتقال محددة هي ثلاث سنوات يقوم بعدها نظام جمهوري جديد

تميزت الثورة بالمرونة وعدم الجمود في سياستها الداخلية لصالح الدولة حيث لم تجمد سياسة الثورة الخارجية في مواجهة الاستعمار بعد رفض امريكا امدادها بالسلاح وسحب عرضها في بناء السد العالي واتجهت الثورة الى اطراف اخرى من اجل تنفيذ المشروعات القومية

انها الاكثر اهمية في تاريخ مصر المعاصر فمازالت اطروحاتها تسهم في الجل الفكري الدائر في مصر والوطن العربي لانها كانت بداية لمشروع قومي حضاري لا يزال مستمرا

خطة ثورة يوليو

كانت الاخبار قد وصلت الى جمال عبد الناصر بنية القصر بالقبض على 13 من الضباط المنتمين للتنظيم والاتجاه لتعيين حسين سري وزيرا للحربية فاجتمع مجلس قيادة حركة الجيش او ثورة الثالث والعشرين من يوليو كما سميت فيما بعد لاقرار الخطة التي وضعها زكريا محي الدين بتكليف من جمال عبد الناصر ومعاونه عبد الحكيم عامر حيث تقوم الكتيبة 13 بقيادة احمد شوقي المكلف بالسيطرة على قيادة القوات المسلحة في سرية كاملة وقرروا ان تكون ساعة الصفر –الساعة الواحدة -ليلة الاربعاء 23 يوليو 1952واتفق الضباط ايضا على ان يكون مركز نشوب الثورة في منطقة ثكنات الجيش من نهاية شارع العباسية الى مصر الجديدة واتفقوا على الترتيبات الاخيرة
غير ان خطا في ابلاغ يوسف صديق قائد ثان الكتيبة 13 بساعة الصفر تسبب في نجاح الثورة حيث تحرك صديق بقواته في الساعة الحادية عشرة واستطاع السيطرة على مجلس قيادة القوات المسلحة في كوبري القبة واعتقال كل من قابلهم في الطريق من رتبة قائم مقام فما فوق كما كانت تقضي الخطة ومراكز القيادة بالعباسية والاستيلاء على مبنى الاذاعة والمرافق الحيوية بالقاهرة واعتقال الوزراء.
وانطلق صوت انور السادات يلقي البيان الاول من اللواء محمد نجيب الى الشعب المصري ونصه:
( اجتازت مصر فترة عصبية في تاريخها الاخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم وقد كان لكل هذه العوامل تاثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون المغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين واما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتامر الخونة على الجيش وتولى امرهم اما جاهل او خائن او فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير انفسنا وتولى امرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم ولابد ان مصر كلها ستلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب اما عن راينا في اعتقال رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم في الوقت المناسب واني اؤكد للجيش المصري ان الجيش كله اصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجردا من اية غاية وانتهز هذه الفرصة واطلب من الشعب الا يسمح لاحد من الخونه بان يلجا لاعمال التخريب او العنف لان هذا ليس في صالح مصر وان أي عمل من هذا القبيل يقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقي فاعله جزاء الخائن في الحال وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس واني اطمئن اخواننا الاجانب على مصالحهم وارواحهم واموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولي التوفيق اللواء اركان حرب محمد نجيب )

وتم تكليف علي ماهر باشا بتشكيل الوزارة بعد اقالة وزارة الهلالي باشا التي لم يكن قد مضى على تشكيلها يوم واحد ثم قام الثوار صباح الثالث والعشرين بالاتصال بالسفير الامريكي لابلاغ رسالة الى القوات البريطانية بان الثورة شان داخلي وكان واضحا في البيان الاول للثورة التاكيد على حماية ممتلكات الاجانب لضمان عدم تدخل القوات البريطانية الى جانب القصر ثم واصل الثوار بعد ذلك اتخاذ خطواتهم نحو السيطرة على الحكم وطرد الملك واجبروه على التنازل عن العرش الى ولي عهده ابنه الرضيع احمد فؤاد وقد تم ترحيل الملك واسرته الى ايطاليا على متن اليخت المحروسة
منقول عن موقع اتحاد الاذاعة والتلفزيون

الاثنين، يوليو 11، 2005

القصيده التى وهبها احدهم ايهاب الشريف فأعطى من لايملك من لا يستحق

نزار قباني
جمال عبد الناصر

1
قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ
قتلناكَ..
ليسَ جديداً علينا
اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا..
وكم من إمامٍ..
ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ
فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ
وأيامُنا كلُّها كربلاءْ..

2
نزلتَ علينا كتاباً جميلاً
ولكننا لا نجيدُ القراءهْ..
وسافرتَ فينا لأرضِ البراءهْ
ولكننا.. ما قبلنا الرحيلا..
تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ..
تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ
وتعرى..
وتشقى..
وتعطشُ وحدكْ..
ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ
نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ
ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً
ونتركهم يعلكونَ الهواءْ

3
قتلناكَ..
يا جبلَ الكبرياءْ
وآخرَ قنديلِ زيتٍ..
يضيءُ لنا في ليالي الشتاءْ
وآخرَ سيفٍ من القادسيهْ
قتلناكَ نحنُ بكلتا يدينا
وقُلنا المنيَّهْ
لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟
فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا..
سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتى شبعتْ..
رميناكَ في نارِ عمَّانَ حتى احترقتْ
أريناكَ غدرَ العروبةِ حتى كفرتْ
لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ..
لماذا ظهرتْ؟
فنحنُ شعوبٌ من الجاهليهْ
ونحنُ التقلّبُ..
نحنُ التذبذبُ..
والباطنيّهْ..
نُبايعُ أربابنا في الصباح..
ونأكلُهم حينَ تأتي العشيّهْ..

4
قتلناكَ..
يا حُبّنا وهوانا
وكنتَ الصديقَ، وكنتَ الصدوقَ،
وكنتَ أبانا..
وحينَ غسلنا يدينا.. اكتشفنا
بأنّا قتلنا مُنانا..
وأنَّ دماءكَ فوقَ الوسادةِ..
كانتْ دِمانا
نفضتَ غبارَ الدراويشِ عنّا..
أعدتَ إلينا صِبانا
وسافرتَ فينا إلى المستحيل
وعلمتنا الزهوَ والعنفوانا..
ولكننا
حينَ طالَ المسيرُ علينا
وطالتْ أظافرُنا ولحانا
قتلنا الحصانا..
فتبّتْ يدانا..
فتبّتْ يدانا..
أتينا إليكَ بعاهاتنا..
وأحقادِنا.. وانحرافاتنا..
إلى أن ذبحنكَ ذبحاً
بسيفِ أسانا
فليتكَ في أرضِنا ما ظهرتَ..
وليتكَ كنتَ نبيَّ سِوانا…

5
أبا خالدٍ.. يا قصيدةَ شعرٍ..
تقالُ.
فيخضرُّ منها المدادْ..
إلى أينَ؟
يا فارسَ الحُلمِ تمضي..
وما الشوطُ، حينَ يموتُ الجوادْ؟
إلى أينَ؟
كلُّ الأساطيرِ ماتتْ..
بموتكَ.. وانتحرتْ شهرزادْ
وراءَ الجنازةِ.. سارتْ قريشٌ
فهذا هشامٌ..
وهذا زيادْ..
وهذا يريقُ الدموعَ عليكْ
وخنجرهُ، تحتَ ثوبِ الحدادْ
وهذا يجاهدُ في نومهِ..
وفي الصحوِ..
يبكي عليهِ الجهادْ..
وهذا يحاولُ بعدكَ مُلكاً..
وبعدكَ..
كلُّ الملوكِ رمادْ..
وفودُ الخوارجِ.. جاءتْ جميعاً
لتنظمَ فيكَ..
ملاحمَ عشقٍ..
فمن كفَّروكَ..
ومَنْ خوَّنوكَ..
ومَن صلبوكَ ببابِ دمشقْ..
أُنادي عليكَ.. أبا خالدٍ
وأعرفُ أنّي أنادي بوادْ
وأعرفُ أنكَ لن تستجيبَ
وأنَّ الخوارقَ ليستْ تُعاد…

الاثنين، يوليو 04، 2005

انها امريكا يا غبى



04 / 07 / 2005
سعد محيو
"حين تتغير الحقائق، أغيّر رأيي فوراً".(جون ماينارد كاينز)
منذ نهاية الحرب الباردة وأمريكا حائرة وتحير العالم معها. فهي تارة تدعو، كما مع الرئيس بوش الأب، إلى نظام عالمي جديد يستند إلى وقائع القوة ومصال الدول الامم. وهي طوراً، مع الرئيس كلينتون، تبشّر بعالم ليبرالي مسالم متعلوم يقوده "الاقتصاد أيها الغبي". هذا في حين اننا مع الرئيس بوش الابن أمام خليط غير مفهوم من أفكار القوة التي طرحها والده، وقوة الأفكار التي يطرحها الآن المحافظون الجدد.لماذا هذا التذبذب الامريكي الخطر، خلال عقد واحد، بين هذه التوجهات المتباينة؟البروفيسور ستيفن وولت يعتقد ان السبب بسيط: أمريكا منذ تأسيسها في نهاية القرن الثامن عشر، كانت تتنقل بانتظام تقريباً بين ثلاث نظريات كبرى حيال العلاقات الدولية: 1- الواقعية، التي تركّز على التوزيع المتغير دوماً للقوة بين الدول، أي على موازين القوى. 2- الليبرالية، التي تعلي من دور الحرية والديمقراطية في الحفاظ على السلام العالمي. 3- والمثالية (أو البنائية)، التي تقول ان تغيير الأفكار يؤدي إلى تبديل الأفعال. وهذا يتضح من التغيرات التي تطرأ على العالم في كل حين تتبدل فيه المفاهيم حول الدين، او السيادة القومية، أو حقوق الإنسان، أو العدالة الدولية.حسناً.. أمريكا تتذبذب بالفعل بين هذه التوجهات الكبرى الثلاثة. لكن وولت لم يقل لنا لماذا يحدث ذلك للامبراطورية الامريكية وحدها، في حين أن باقي الامبرطوريات الأخرى في التاريخ استقرت تقريباً على نظرية واحدة.حقاً لماذا؟ الأرجح أن الأمر أساساً يعود إلى القوة الهائلة للنزعة البراغماتية في التاريخ كما في العقل الامريكي. فالمستوطنون الاوروبيون البيض حين وصلوا إلى امريكا، وجدوا قارة شاسعة المساحة، متعددة المناخات، ومتنوعة المخاطر. مع هذه البيئة، لا سبيل لسيطرة فكرة واحدة او توجه واحد على جداول الأعمال. ولذا كان المعيار الوحيد لصعود او هبوط فكرة ما هو النجاح: إذا نجحت نظرية القوة (الإبادة) مع الهنود الحمر ومع الولايات الجنوبية (الحرب الأهلية)، فليكن. وإذا كانت الليبرالية البروتستانتية كافية لدمج المهاجرين الألمان وغيرهم، مع المهاجرين الانغلو- ساكسون، فليتم تبنيها. ثم لاحقاً: إذا ما كانت المثالية المتجسدة في حركة الحقوق المدنية خلال ثلاثينات القرن العشرين، كافية لإرضاء اليهود وإسكات السود، فمرحباً بها.الفعالية هي الأساس في العقل الامريكي، والباقي مجرد زينة يمكن استخدامها لتجميل توجه بشع، أو لزيادة الوجه المثالي الجميل جمالاً كوسيلة "براغماتية" إضافية لمحض النظام الأمريكي مزيداً من الشرعية.هذا قد يكون المفتاح الاهم لفهم السياسات الامريكية. وهكذا كان الامر من جورج واشنطن إلى جورج بوش.هل كان المفكر الرأسمالي الكبير جون ماينارد كاينز يفكر بأمريكا، حين قال انه يغير رأيه فوراً حين تتغير الحقائق؟حتماً، حتماً!